في كل لحظة من يومك تعيش داخل تجربة فيزيائية مفتوحة: الكوب الذي يسقط من يدك، الضوء الذي ينكسر في زجاج النافذة، صوت من يناديك عبر الغرفة، حرارة الشمس على وجهك، وشاشة الهاتف التي تقرأ عليها هذه الكلمات الآن. الفيزياء ليست مادةً دراسيةً في كتاب، بل هي اللغة التي تُكتب بها قوانين الكون كلّه.
كلمة Physics تعود إلى اليونانية φύσις (physis) ومعناها
الطبيعة، ومنها τὰ φυσικά (ta physika) أي «الأمور الطبيعية» — وهو عنوان
كتاب الفيلسوف اليوناني أرسطو الذي حاول فيه تفسير الحركة والتغيّر في العالم من
حولنا. أي أنّ اسم هذا العلم يعني حرفياً: علم الطبيعة.
وفي التراث العربي عُرف هذا الميدان باسم «علم الطبيعيات» أو «العلم الطبيعي»، وتحته اندرجت مباحث الحركة والضوء والصوت والحرارة والفلك، قبل أن تنفصل هذه المباحث وتصبح فروعاً قائمة بذاتها.
الفيزياء هي العلم الذي يدرس المادة والطاقة، وتفاعلهما، وحركتهما في المكان والزمان، ويصوغ ذلك كله في قوانين رياضية قابلة للاختبار والتنبؤ.
اتّسع هذا العلم حتى صار شجرةً ذات فروع، ولكل فرع أسئلته وأدواته:
الحركة والقوى والزخم والطاقة والشغل — من سقوط التفاحة إلى مدار قمر صناعي.
انتقال الحرارة، والتمدد، والقوانين التي تحكم المحركات والثلاجات وتوليد الطاقة.
الشحنات والتيارات والمجالات — أساس كل جهاز إلكتروني تستعمله اليوم.
الضوء وانعكاسه وانكساره وتداخله — العدسات، والكاميرات، والألياف الضوئية.
الاهتزاز وانتقاله في الأوساط، والرنين، والموجات فوق الصوتية في الطب.
بنية الذرة، والنواة، والإشعاع، والانشطار والاندماج ومصادر الطاقة الهائلة.
سلوك الجسيمات الصغيرة جداً حيث تنهار حدسياتنا اليومية وتظهر الاحتمالات.
الزمكان والجاذبية والثقوب السوداء وتاريخ الكون منذ الانفجار العظيم.
قد يبدو السؤال «ما فائدة الفيزياء؟» وجيهاً حتى تنظر حولك بعينٍ فاحصة، فتجد أن كل ما اعتدت عليه هو ثمرة قانونٍ فيزيائي:
لم يكن هذا العلم قفزةً أوروبية مفاجئة، بل سلسلةً متصلة كان للحضارة الإسلامية فيها حلقات أساسية، أهمها ترسيخ المنهج التجريبي نفسه.
يُلقّب بـ«أبي البصريات الحديثة»، وكتابه «المناظر» نقطة تحوّل في تاريخ العلم. صحّح الاعتقاد اليوناني السائد بأن العين تُرسل شعاعاً إلى الأشياء، وأثبت أن الضوء ينعكس عن الأجسام ويدخل إلى العين. درس انعكاس الضوء وانكساره وعمل الغرفة المظلمة (Camera Obscura) — الجدّ الأول للكاميرا. والأهم أنه أرسى قاعدةً ذهبية: لا يُقبل قولٌ في الطبيعة إلا بتجربةٍ تثبته.
قاس الكثافة النوعية لعشرات المعادن والأحجار بدقة مذهلة، وحسب محيط الأرض بطريقة هندسية بارعة من قمة جبل، وجاءت نتيجته قريبةً جداً من القيمة المعروفة اليوم.
بحث ابن سينا في الحركة وطرح فكرة قريبة من مفهوم القصور الذاتي قبل نيوتن بقرون، وألّف عبد الرحمن الخازني كتاب «ميزان الحكمة» في الأثقال والموازين ومركز الثقل، ووضع ابن يونس أرصاداً فلكية اعتمد عليها من جاء بعده قروناً طويلة.
وضع في كتابه «الأصول الرياضية للفلسفة الطبيعية» قوانين الحركة الثلاثة وقانون الجذب العام، فوحّد بذلك بين سقوط تفاحة على الأرض ودوران القمر حولها في قانونٍ واحد. كما فكّك الضوء الأبيض بالمنشور إلى ألوان الطيف، وشارك في تأسيس حساب التفاضل والتكامل الذي صار لغة الفيزياء كلها.
في عام 1905 — «العام المعجزة» — نشر أبحاثاً غيّرت كل شيء: النسبية الخاصة التي
جعلت الزمن والمكان نسبيَّين وسرعة الضوء هي الثابت، وعلاقته الشهيرة E = mc² التي
كشفت أن الكتلة والطاقة وجهان لعملة واحدة، وتفسير الظاهرة الكهروضوئية. ثم جاءت
النسبية العامة (1915) لتصف الجاذبية لا كقوة، بل كانحناءٍ في نسيج الزمكان.
عام 1900، وأثناء محاولته تفسير إشعاع الجسم الأسود، اضطر إلى افتراضٍ «يائس» كما وصفه: أن
الطاقة لا تُشعّ بشكل متصل بل على شكل حزم صغيرة منفصلة سمّاها
الكمّات (Quanta)، وقيمتها E = h·f. كان ذلك ميلاد ميكانيكا
الكم، أهم ثورة في فيزياء القرن العشرين.
أبو المنهج التجريبي الحديث، ودراساته في السقوط الحر والحركة على المستوى المائل، وأول من وجّه التلسكوب إلى السماء.
اكتشف الحث الكهرومغناطيسي، فمهّد الطريق لكل مولّد ومحرّك كهربائي في العالم.
وحّد الكهرباء والمغناطيسية والضوء في أربع معادلات، وتنبأ بالموجات الكهرومغناطيسية.
نموذج الذرة ذو المستويات المحددة للطاقة، وأحد آباء التفسير الكمومي.
تُمنح جائزة نوبل في الفيزياء منذ عام 1901، وقراءة قائمة الفائزين أشبه بقراءة خريطة تقدّم البشرية في فهم الكون:
| السنة | الفائز | سبب الجائزة |
|---|---|---|
| 1901 | فيلهلم رونتغن | اكتشاف الأشعة السينية — أول جائزة نوبل للفيزياء على الإطلاق |
| 1903 | بيكريل وبيير وماري كوري | اكتشاف النشاط الإشعاعي ودراسته |
| 1918 | ماكس بلانك | اكتشاف كمّات الطاقة وتأسيس نظرية الكم |
| 1921 | ألبرت آينشتاين | تفسير الظاهرة الكهروضوئية (وليس النسبية!) |
| 1922 | نيلز بور | بنية الذرات والإشعاع الصادر عنها |
| 1932 | فيرنر هايزنبرغ | تأسيس ميكانيكا الكم ومبدأ اللايقين |
| 1935 | جيمس تشادويك | اكتشاف النيوترون |
| 1938 | إنريكو فيرمي | التفاعلات النووية المستحثة بالنيوترونات |
| 1956 | شوكلي وباردين وبراتين | اختراع الترانزستور — حجر أساس العصر الرقمي |
| 1964 | تاونز وباسوف وبروخوروف | الأعمال التي أدت إلى اختراع الليزر |
| 1979 | عبد السلام وواينبرغ وغلاشو | توحيد القوة الكهروضعيفة — وعبد السلام أول مسلم يفوز بنوبل الفيزياء |
| 2013 | هيغز وإنغليرت | التنبؤ بـبوزون هيغز المسؤول عن كتلة الجسيمات |
| 2017 | وايس وباريش وثورن | أول رصد مباشر لـموجات الجاذبية |
| 2020 | بنروز وغيز وغينزل | أبحاث الثقوب السوداء والثقب الأسود في مركز مجرتنا |
| 2022 | أسبيه وكلاوزر وتسايلينغر | تجارب التشابك الكمومي وأساس المعلومات الكمومية |
| 2023 | لويلييه وكراوس وأغوستيني | نبضات ضوئية بمقياس الأتوثانية لتصوير حركة الإلكترونات |
لم ينل آينشتاين جائزة نوبل عن النسبية — النظرية التي اشتهر بها — بل عن تفسيره للظاهرة الكهروضوئية، لأن لجنة نوبل رأت آنذاك أن النسبية لم تُختبر تجريبياً بما يكفي!
من السهل أن نتوهّم أن الفيزياء «انتهت» وأن كل شيء قد فُسِّر. الحقيقة عكس ذلك تماماً: فكلما اتّسعت دائرة معرفتنا، اتّسع معها محيطها الملامس للمجهول. وما زالت أمام الفيزيائيين اليوم أسئلة كبرى مفتوحة:
«المهم ألّا تتوقف عن السؤال؛ فللفضول سببُ وجودٍ خاصٌّ به.»
— ألبرت آينشتاين
في مختبرات العالم اليوم تُجرى آلاف التجارب: مصادمات الجسيمات تبحث عن فيزياء ما وراء النموذج القياسي، ومراصد موجات الجاذبية تلتقط اصطدام الثقوب السوداء، وتلسكوب جيمس ويب يرصد أقدم المجرات، وحواسيب كمومية تُبنى من فيزياء لم تكن قبل قرنٍ إلا معادلاتٍ على ورق. وربما يكون من يقرأ هذه السطور الآن هو من يكتب فصلاً جديداً في هذه القصة.