← كل المقالات 🏠 الرئيسية
المغناطيسية

المغناطيس — من حجر الراعي إلى درع الأرض

مغناطيس على شكل حدوة حصان وبرادة الحديد ترسم خطوط المجال
برادة الحديد تكشف ما لا تراه العين: خطوط المجال المغناطيسي

ضع مغناطيساً تحت ورقة ورشّ فوقها برادة الحديد، فترى ما لا تراه العين: خطوطاً منحنية تخرج من طرف وتدخل في الطرف الآخر، رسمتها قوة غير مرئية. هذه القوة هي التي هدت الملاحين في بحار لا علامة فيها، وأثبتت أن قيعان المحيطات تتوسّع، وتحمي كوكبنا كل يوم من رياح الشمس القاتلة.

سبب التسمية

اسم المغناطيس مأخوذ من منطقة «مغنيسيا» (Magnesia) في آسيا الصغرى — تركيا اليوم — حيث وُجد حجر أسود يجذب الحديد، سُمّي حجر المغنيسيا، ثم magnetis lithos باليونانية، ومنها magnet.

وتروي الأسطورة اليونانية أن راعياً اسمه مغنيس كان يرعى غنمه على جبل في تلك المنطقة، فالتصقت مسامير حذائه وطرف عصاه الحديدي بصخور الأرض ولم يستطع رفع قدميه. وسواء صحّت القصة أم لا، فالحجر المقصود معروف علمياً باسم المغنيتيت (Fe₃O₄) — أكسيد حديد طبيعي ممغنط، ويُسمّى أيضاً «الحجر الهادي» (Lodestone) لأنه هدى السفن في البحر.

الأقطاب وقانونها

لكل مغناطيس قطبان: شمالي وجنوبي. وقاعدتهما بسيطة وثابتة:

خاصية فريدة: لا وجود لقطب منفرد

إذا قطعتَ مغناطيساً إلى نصفين لا تحصل على قطب شمالي وحده وقطب جنوبي وحده، بل على مغناطيسَين كاملين لكل منهما قطبان! وكرّر القطع كما شئت، فالنتيجة نفسها. وهذا يختلف جذرياً عن الشحنة الكهربائية التي يمكن عزل موجبها عن سالبها. وحتى اليوم لم يُرصد أحادي القطب المغناطيسي رغم أن بعض النظريات تتنبأ بوجوده — وهو من الأبحاث المفتوحة في الفيزياء.

أنواع المواد المغناطيسية

النوعالسلوكأمثلة
حديدية المغناطيسيةتنجذب بقوة ويمكن أن تبقى ممغنطة دائماًالحديد، الكوبلت، النيكل
بارامغناطيسيةتنجذب انجذاباً ضعيفاً جداً ولا تحتفظ بالمغنطةالألمنيوم، البلاتين
ديامغناطيسيةتتنافر تنافراً ضعيفاً مع المجالالنحاس، الماء، البزموت

وتُصنّف المغانط عملياً إلى دائمة (تحتفظ بمغنطتها كمغانط النيوديميوم القوية) ومؤقتة (كالمسمار الذي يُمغنط ما دام قرب مغناطيس) وكهربائية (ملف يعمل ما دام التيار يمرّ فيه). ومن المهم أن نعرف أن الحرارة العالية تُفقد المغناطيس مغنطته عند تجاوز درجة تُسمّى نقطة كوري.

رحلة الاكتشاف عبر التاريخ

البدايات والبوصلة

عرف الصينيون الحجر الهادي منذ القرن الثاني قبل الميلاد واستعملوه في الرقية والتوجيه، ثم طوّروا البوصلة واستخدموها في الملاحة البحرية بحلول القرن الحادي عشر الميلادي — وكانت نقلة هائلة في تاريخ السفر.

إسهامات العلماء المسلمين

نقل العرب البوصلة وطوّروا استعمالها، وكان لها عندهم غرض إضافي مهم: تحديد اتجاه القبلة في أي بقعة من الأرض. وقد وصف ابن سينا الحجر المغناطيسي وخواصه في مؤلفاته، ودرس البيروني خصائص الأحجار ومنها المغناطيسية، وذكرها الجغرافيون كـالقزويني في وصف الأحجار والمعادن. كما وثّق البحّارة العرب في المحيط الهندي استعمال الإبرة الممغنطة الطافية على الماء قبل أن تصل إلى أوروبا.

ويليام جيلبرت (1600) — الأرض نفسها مغناطيس

في كتابه «في المغناطيس» (De Magnete) — وهو أول كتاب علمي تجريبي حقيقي في الموضوع — صنع جيلبرت كرة من المغنيتيت سمّاها «الأرض الصغيرة»، وحرّك فوقها إبرة مغناطيسية فتصرفت تماماً كما تتصرف البوصلة على سطح الأرض. فاستنتج استنتاجه الشهير: الأرض نفسها مغناطيس عملاق، وهذا هو سبب انحراف البوصلة نحو الشمال — لا نجم القطب كما كان يُظن.

أورستد (1820) — الصدفة التي وحّدت علمين

أثناء محاضرة للطلاب، لاحظ الدنماركي هانز كريستيان أورستد أن إبرة بوصلة موضوعة قرب سلك انحرفت لحظة مرور التيار الكهربائي فيه، وعادت إلى وضعها حين قُطع التيار. كانت هذه الملاحظة الصغيرة زلزالاً: الكهرباء تولّد مغناطيسية، وما كان يُظن علمين منفصلين تماماً هو في الحقيقة وجهان لظاهرة واحدة اسمها الكهرومغناطيسية.

فاراداي (1831) — والعكس صحيح

سأل مايكل فاراداي السؤال المعاكس: إذا كانت الكهرباء تولّد مغناطيسية، فهل تولّد المغناطيسية كهرباء؟ وبعد تجارب طويلة اكتشف قانون الحث الكهرومغناطيسي: تغيّر التدفق المغناطيسي خلال ملف يولّد فيه قوة دافعة كهربائية. والكلمة المفتاح هي «تغيّر» — فالمغناطيس الساكن داخل الملف لا يولّد شيئاً، بل الحركة هي التي تولّد.

كان فاراداي عالماً عصامياً بدأ حياته صبيّاً في محل تجليد كتب، ولم يكن ضليعاً بالرياضيات؛ فجاء جيمس كلارك ماكسويل بعده وصاغ أفكاره وأفكار أورستد في أربع معادلات وحّدت الكهرباء والمغناطيسية والضوء في نظرية واحدة، وتنبأت بالموجات الكهرومغناطيسية التي تحمل اليوم كل بثٍّ واتصالٍ لاسلكي في العالم.

المغناطيسية الأرضية

الغلاف المغناطيسي للأرض يحرف الرياح الشمسية
الغلاف المغناطيسي يحرف الرياح الشمسية حول الأرض — درعٌ غير مرئي يحمي الحياة

ينشأ المجال المغناطيسي للأرض في اللبّ الخارجي السائل المكوّن أساساً من الحديد والنيكل المنصهرَين. فحركة هذه الكتلة الموصلة الهائلة، مدفوعةً بالحمل الحراري ودوران الأرض، تولّد تيارات كهربائية ضخمة تولّد بدورها مجالاً مغناطيسياً — وهي آلية تُعرف باسم «الدينامو الأرضي».

مفارقة يجب الانتباه إليها

ما نسمّيه القطب الشمالي المغناطيسي للأرض هو في الحقيقة قطب جنوبي مغناطيسياً! وإلا لما انجذب إليه القطب الشمالي لإبرة البوصلة — فالأقطاب المختلفة هي التي تتجاذب. كذلك لا ينطبق القطب المغناطيسي على القطب الجغرافي، بل بينهما زاوية تُسمّى زاوية الميل المغناطيسي يجب على الملاحين تصحيحها.

والمجال الأرضي ليس ثابتاً: فالقطب المغناطيسي الشمالي يتحرك عشرات الكيلومترات كل عام، والسجل الصخري يكشف أن المجال انعكس تماماً مئات المرات عبر التاريخ الجيولوجي، فصار الشمال جنوباً والجنوب شمالاً — وآخر انعكاس كامل حدث قبل نحو 780 ألف سنة.

الأشرطة المغناطيسية وإثبات توسّع قاع المحيط

هنا يقدّم المغناطيس واحدة من أجمل خدماته للعلم. عندما تندفع الصهارة من حيود وسط المحيط وتبرد، تترتّب المعادن المغناطيسية داخلها وفق اتجاه المجال الأرضي في تلك اللحظة، ثم تتجمّد على هذا الاتجاه — أي أن الصخر يسجّل «لقطة» دائمة لاتجاه المجال يوم تكوّنه.

وحين مسح العلماء قاع المحيط الأطلسي مغناطيسياً في الستينيات، فوجئوا بنمط مذهل: أشرطة متعاقبة من المغنطة الطبيعية والمعكوسة، متناظرة تماماً على جانبَي الحيد المحيطي كصورة المرآة، وتزداد قِدماً كلما ابتعدنا عن الحيد.

التفسير الوحيد الممكن: القشرة تتكوّن باستمرار عند الحيد وتنزاح إلى الجانبين، مسجّلةً كل انعكاس مغناطيسي مرّ بها كشريطٍ جديد. وكان هذا الدليل الحاسم الذي أثبت نظرية توسّع قاع المحيط وأنقذ نظرية الانجراف القاري لألفريد فيغنر بعد عقود من رفضها، لتقوم عليها علوم الأرض الحديثة كلها.

المغناطيس في حياتنا: قديماً وحديثاً

الملاحة

قبل الأقمار الصناعية بقرون، كانت البوصلة المغناطيسية أداة الملاح الوحيدة في عرض البحر ليلاً ونهاراً. وبفضلها انطلقت رحلات الاستكشاف الكبرى وتغيّرت خريطة العالم.

توليد الكهرباء والمحركات

مولّد كهربائي ضخم في محطة توليد
مولّد كهربائي ضخم — كل الكهرباء التي تصلك تقريباً وُلدت بقانون فاراداي

اضغط أي مفتاح كهرباء في بيتك، والطاقة التي أشعلت المصباح خرجت من مولّد يعمل بقانون فاراداي: ملف يدور داخل مجال مغناطيسي فيتولّد فيه تيار. وسواء كان مصدر الحركة بخاراً أو ماءً ساقطاً من سد أو رياحاً أو مفاعلاً نووياً، فالخطوة الأخيرة واحدة دائماً: حركة داخل مجال مغناطيسي.

والمحرك الكهربائي هو العملية نفسها بالمقلوب: تيار يمرّ في ملف داخل مجال مغناطيسي فيتولّد عزم يدير المحور. وهو قلب المروحة والغسالة والمصعد والسيارة الكهربائية والقطار المغناطيسي المعلّق.

تطبيقات حديثة أخرى

الدرع الواقي والشفق القطبي

تطلق الشمس باستمرار الرياح الشمسية: سيلاً من الجسيمات المشحونة عالية الطاقة (بروتونات وإلكترونات) تندفع بمئات الكيلومترات في الثانية. ولولا المجال المغناطيسي الأرضي لعرّت هذه الرياح غلافنا الجوي عبر ملايين السنين — وهو ما يُرجَّح أنه حدث فعلاً للمريخ بعد أن فقد مجاله المغناطيسي، فتحوّل من كوكب ذي ماء وغلاف جوي كثيف إلى صحراء باردة جرداء.

أما عندنا فيحرف الغلاف المغناطيسي معظم هذه الجسيمات حول الكوكب، ويحبس قسماً منها في أحزمة فان آلن الإشعاعية. ولكن عند القطبين، حيث تلتقي خطوط المجال بالأرض، تتسرّب بعض الجسيمات إلى الغلاف الجوي العلوي فتصطدم بذراته — وهنا يبدأ العرض.

الشفق القطبي بألوانه الخضراء والحمراء في سماء الليل
الشفق القطبي — ألوانه تكشف نوع الغاز وارتفاع التصادم

تصطدم الجسيمات المشحونة بذرات الأكسجين والنيتروجين فتُثيرها، وحين تعود هذه الذرات إلى حالتها المستقرة تطلق الطاقة الزائدة ضوءاً ملوّناً:

ويُسمّى الشفق في الشمال الشفق الشمالي (Aurora Borealis) وفي الجنوب الشفق الجنوبي (Aurora Australis). وهو ليس مجرد منظر خلّاب، بل دليل مرئي على أن درعاً غير مرئي يعمل فوق رؤوسنا في هذه اللحظة بالذات.

خلاصة

حجرٌ التصق بمسامير حذاء راعٍ، صار بوصلةً فتحت البحار، ثم كشف أن الأرض مغناطيس، ثم أثبت أن القارات تتحرك، ثم أنار بيوت العالم كله، وهو في كل لحظة يحمي كوكبنا من رياح الشمس ويرسم في سماء القطبين أجمل لوحة تعرفها الطبيعة.