في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر، فتح عالمٌ فرنسي درج مكتبه فوجد شيئاً لم يكن يتوقعه — ومن تلك اللحظة تغيّر فهم البشرية للمادة إلى الأبد. فقد اتضح أن بعض العناصر تُطلق طاقةً من تلقاء نفسها، بلا حرارة ولا ضوء ولا أي مؤثر خارجي. هذه هي قصة الإشعاع.
كان الألماني فيلهلم رونتغن يجرّب أنبوب أشعة المهبط وقد غطّاه بورق أسود سميك، فلاحظ أن شاشةً فلورية على بعد أمتار في الغرفة بدأت تتوهّج. شيء ما كان ينفذ من الورق ومن الهواء. سمّاها «الأشعة السينية» (X-Rays) لأن الحرف X يرمز إلى المجهول. وأول صورة التقطها كانت ليد زوجته، فظهرت عظامها وخاتم زواجها بوضوح. نال عنها أول جائزة نوبل في الفيزياء عام 1901.
تحمّس الفرنسي هنري بيكريل لاكتشاف رونتغن، وأراد اختبار فرضية: هل تُصدر الأملاح الفلورية أشعةً سينية بعد تعريضها للشمس؟ لفّ لوحاً فوتوغرافياً بورق أسود ووضع فوقه ملح اليورانيوم لينتظر يوماً مشمساً. لكن الجو بقي غائماً، فوضع كل شيء في درج مغلق مظلم.
وبعد أيام، ولسببٍ ما، قرر تحميض اللوح رغم أنه لم يتعرّض للشمس أصلاً — فوجده أسودّ بقوة! لم يكن للشمس أي دور: اليورانيوم نفسه يُطلق إشعاعاً نافذاً بشكل تلقائي دائم. هكذا اكتُشف النشاط الإشعاعي بمحض المصادفة، ولكن بعينٍ فطنة لم تُهمل نتيجة غير متوقعة.
اختارت الطالبة البولندية ماريا سكلودوفسكا — ماري كوري — ظاهرة بيكريل موضوعاً لأطروحتها. وهي من صاغ مصطلح «النشاط الإشعاعي» (Radioactivity)، وأثبتت أنه خاصية ذرية نابعة من داخل الذرة نفسها، لا نتيجة تفاعل كيميائي — وكانت هذه فكرة ثورية في زمنٍ يُعتقد فيه أن الذرة لا تتجزأ ولا تتغير.
عملت ماري مع زوجها بيير كوري في سقيفة مهجورة باردة رطبة، تعالج أطناناً من خام البتشبلند بيديها في أوعية ضخمة، لأنها لاحظت أن الخام أشدّ إشعاعاً من اليورانيوم الذي يحويه — أي أن فيه عنصراً مجهولاً أقوى.
وبعد جهد سنوات عزلت عنصرين جديدين: البولونيوم (سمّته على اسم وطنها بولندا المحتلة آنذاك) والراديوم. ولاستخلاص غرام واحد من كلوريد الراديوم احتاجت إلى معالجة أطنان من الخام.
مناصفةً مع بيير كوري وهنري بيكريل عن أبحاث النشاط الإشعاعي — وكانت أول امرأة تنال نوبل.
عن اكتشاف البولونيوم والراديوم — فصارت أول شخص ينال نوبل في مجالين علميين مختلفين.
ولم تُسجّل ماري وبيير براءة اختراع لطريقة استخلاص الراديوم رغم قيمتها التجارية الهائلة، وقالت ماري إن العلم ملك للبشرية جمعاء.
قُتل بيير كوري عام 1906 تحت عجلات عربة تجرّها الخيول في شارع مطير، فتولّت ماري كرسيه في جامعة السوربون لتصبح أول امرأة تُدرّس فيها في تاريخها.
في الحرب العالمية الأولى جهّزت سيارات إسعاف مزوّدة بأجهزة أشعة سينية عُرفت باسم «الكوريات الصغيرة»، وقادت بنفسها إلى الجبهة، وساعدت في تصوير أكثر من مليون جريح لتحديد مواضع الشظايا.
لكن لم يكن أحد يعرف خطر الإشعاع آنذاك: كانت تحمل أنابيب الراديوم في جيبها، وتحتفظ بها في درج مكتبها لتستمتع بتوهّجها الأزرق في الظلام. توفيت عام 1934 بـفقر دم لا تنسّجي نتيجة التعرض الطويل للإشعاع. وحتى اليوم — بعد أكثر من تسعين عاماً — ما زالت دفاتر ملاحظاتها مشعّة وتُحفظ في صناديق مبطّنة بالرصاص، ولا تُقرأ إلا بموافقة موقّعة وبملابس واقية.
فصل إرنست رذرفورد الإشعاع بتمريره في مجال مغناطيسي فانقسم إلى ثلاثة مسارات، فسمّاها بحروف يونانية: ألفا، بيتا، غاما.
| النوع | ماهيته | الشحنة | قدرة الاختراق | يوقفه |
|---|---|---|---|---|
| ألفا α | نواة هيليوم (بروتونان + نيوترونان) | +2 | ضعيفة جداً — بضعة سنتيمترات في الهواء | ورقة أو الجلد |
| بيتا β | إلكترون (أو بوزيترون) سريع | −1 أو +1 | متوسطة — بضعة أمتار في الهواء | صفيحة ألمنيوم بضعة مليمترات |
| غاما γ | موجة كهرومغناطيسية عالية الطاقة | متعادلة | عالية جداً — تخترق الجسم كاملاً | رصاص سميك أو خرسانة |
| النيوترونات | نيوترونات حرة من الانشطار | متعادلة | عالية جداً وتجعل المواد نفسها مشعّة | مواد غنية بالهيدروجين (ماء، بارافين) |
الجواب يعتمد على موقع المصدر، وهذه من أهم النقاط التي يُساء فهمها:
وحدة قياس الجرعة الفعّالة هي السيفرت (Sv)، وهي وحدة كبيرة جداً، لذا نستعمل عادةً الميلي سيفرت (mSv) = جزء من ألف من السيفرت.
| الجرعة | الحالة والأثر |
|---|---|
| 0.1 mSv | صورة أشعة سينية للصدر |
| 2 – 3 mSv سنوياً | الإشعاع الطبيعي الذي يتعرض له كل إنسان (تربة، فضاء، طعام) |
| ~ 8 mSv | تصوير مقطعي CT للبطن |
| 20 mSv سنوياً | الحد المسموح به للعاملين في المجال الإشعاعي |
| 100 mSv | أدنى جرعة يظهر عندها ارتفاع إحصائي في احتمال السرطان مستقبلاً |
| 1000 mSv (1 Sv) | متلازمة الإشعاع الحادة: غثيان وقيء وإرهاق شديد |
| 2000 – 4000 mSv | تلف نخاع العظم، ونزيف، وتساقط الشعر — الوفاة محتملة بلا علاج مكثّف |
| 4500 mSv | الجرعة المميتة النصفية (LD50): تقتل نصف المتعرضين خلال 30 يوماً |
| أكثر من 8000 mSv | مميتة دائماً تقريباً مهما كان العلاج |
| أكثر من 10000 mSv | انهيار الجهاز العصبي — الوفاة خلال ساعات إلى أيام |
1) الزمن: قلّل مدة التعرض. 2) المسافة: ابتعد — فالشدة تتناقص مع مربع المسافة، فمضاعفة المسافة تخفض الجرعة إلى الربع. 3) التدريع: ضع بينك وبين المصدر حاجزاً مناسباً لنوع الإشعاع.
الإشعاع لا لون له ولا رائحة ولا طعم ولا يُحسّ به الإنسان إطلاقاً، ولهذا كان اختراع جهاز كشفٍ أمراً حيوياً. طوّر هانز غايغر مع تلميذه فالتر مولر عام 1928 عدّاد غايغر-مولر.
مبدأ عمله: أنبوب معدني مملوء بغاز خامل (كالأرغون) تحت ضغط منخفض، وفي مركزه سلك رفيع بينه وبين جدار الأنبوب جهد كهربائي عالٍ. حين يدخل جسيم مشعّ يؤيّن ذرات الغاز فتنطلق منها إلكترونات، تتسارع نحو السلك وتؤيّن في طريقها ذرات أخرى في انهيارٍ متسلسل، فتنتج نبضة تيار قصيرة تُحوَّل إلى الطقطقة المميزة أو إلى قراءة رقمية. وكلما زادت شدة الإشعاع زاد تسارع الطقطقة حتى تصير أزيزاً متصلاً.
مصدر ألفا شديد. يُقدّر أنه أخطر من سيانيد الهيدروجين بمئات آلاف المرات عند الابتلاع، ولا يُكتشف بأجهزة الفحص العادية.
عمر نصف 24 ألف سنة، شديد السميّة عند استنشاقه، ويُستخدم في الأسلحة النووية.
يشبه الكالسيوم كيميائياً فيترسّب في العظام ويسبب سرطانها — وهو ما قتل «فتيات الراديوم».
باعث غاما، وينتشر بسهولة في البيئة والغذاء. من أخطر مخلّفات حادثتَي تشيرنوبل وفوكوشيما.
يتركّز في الغدة الدرقية مباشرةً، ولهذا يُوزَّع يود مستقر بعد الحوادث النووية لإشباع الغدة ومنع امتصاصه.
غاز مشعّ يتسرب من التربة إلى الأقبية والمنازل — أكبر مصدر تعرّض طبيعي للإنسان.
في عشرينيات القرن الماضي عملت فتيات في مصانع أمريكية على طلاء عقارب الساعات بطلاء الراديوم المتوهّج، وكنّ يُبرين أطراف الفرشاة بشفاههن لتدقيق الرسم — دون أن يخبرهنّ أحد بالخطر. أصيب كثيرات منهنّ بسرطان الفك والعظام ومتن. لكن قضيتهنّ القانونية الشهيرة أسّست لحق العامل في معرفة مخاطر عمله، وكانت حجر الأساس لقوانين السلامة المهنية في العالم كله.
داخل كاشف الدخان التأيّني كمية دقيقة جداً من الأمريسيوم-241 تُصدر أشعة ألفا. تؤيّن هذه الأشعة هواء حجرة صغيرة، فيسري بين قطبيها تيار ضعيف ثابت. وحين يدخل الدخان تلتصق جزيئاته بالأيونات فتُبطئها ويتعطّل التيار، فيرصد الجهاز الانخفاض ويطلق الإنذار.
والاختيار هنا هندسي بامتياز: ألفا بالذات لأنها لا تخترق حتى غلاف الجهاز البلاستيكي، فهي فعّالة داخله وآمنة تماماً خارجه.
الوجه الآخر لهذه القوة مرعب. ففي 6 و9 أغسطس 1945 أُلقيت قنبلتان ذريتان على هيروشيما (يورانيوم-235) وناغازاكي (بلوتونيوم-239)، فقُتل أكثر من 200 ألف إنسان بين الانفجار المباشر والحروق والإشعاع، وظلّ الناجون — ويُسمّون «هيباكوشا» — يعانون سرطانات وأمراضاً وتشوّهات لعقود بعدها.
وأضافت الحوادث النووية فصولاً أخرى: تشيرنوبل 1986 التي هجّرت مدينة كاملة وما زالت منطقتها محظورة إلى اليوم، وفوكوشيما 2011 بعد الزلزال والتسونامي.
«لا شيء في الحياة يستحق أن يُخاف منه، بل يستحق أن يُفهم. الآن هو وقت أن نفهم أكثر، لنخاف أقل.»
— ماري كوري
الإشعاع النووي ليس خيّراً ولا شريراً في ذاته؛ إنه قوة، والقوة تأخذ شكل من يمسك بها. هو نفسه الذي يكشف كسراً في عظمك، ويقتل ورماً في جسد مريض، ويُنذرك بحريق في بيتك وأنت نائم، ويشغّل مركبةً تسبح خارج المجموعة الشمسية — وهو نفسه الذي محا مدينتين عن الخريطة. والفارق الوحيد بين الوجهين اسمه: المعرفة والمسؤولية.