توقّف لحظة وفكّر في هذا: في الغرفة التي تجلس فيها الآن تمرّ عبر جسدك — في هذه الثانية بالذات — إشارات عشرات المحطات الإذاعية، وبثّ قنوات تلفزيونية، ومكالمات هاتفية لأناس لا تعرفهم، وحزم بيانات من شبكة الواي فاي، وإشارات أقمار صناعية تدور على ارتفاع عشرين ألف كيلومتر. كلها تخترقك الآن، ولا تُحسّ بواحدة منها.
نحن نعيش غارقين في محيط من الموجات لا نراه ولا نسمعه ولا نلمسه. وقد بدأ كل هذا بمعادلات رياضية كتبها رجل لم يعش ليرى موجةً واحدة منها.
موجات الراديو هي شكل من أشكال الإشعاع الكهرومغناطيسي — تماماً كالضوء الذي تقرأ به هذه الكلمات، وكالأشعة السينية، وكحرارة الشمس على وجهك. الفرق بينها جميعاً ليس في الطبيعة بل في التردد فقط.
هذه نقطة يغفل عنها كثيرون: موجة الراديو والضوء المرئي شيء واحد. لو استطاعت عينك أن ترى ترددات أقل بكثير، لرأيت بثّ الإذاعة يتدفق من الأبراج كما ترى ضوء المصباح. الطبيعة واحدة، والعين وحدها هي المحدودة.
300,000 km/s في الفراغ.وتربط بين التردد وطول الموجة علاقة بسيطة تحكم كل ما سيأتي في هذا المقال:
c = f × λ
حيث c سرعة الضوء، وf التردد، وλ طول الموجة.
وبما أن c ثابتة، فإن كلما زاد التردد قصر طول الموجة —
وهذه العلاقة العكسية هي التي تفسّر لماذا تعبر الموجات الطويلة القارات بينما لا تكاد
موجات 5G تتجاوز نهاية الشارع.
جيمس كلارك ماكسويل (اسكتلندي، 1831–1879) لم يبنِ جهازاً ولم يجرِ تجربة. كل ما فعله أنه جمع قوانين الكهرباء والمغناطيسية في أربع معادلات، ثم نظر فيما تقوله.
وما قالته كان مذهلاً: المجال الكهربائي المتغيّر يولّد مجالاً مغناطيسياً، والمغناطيسي المتغيّر يولّد كهربائياً — فيتولّد كلٌّ منهما من الآخر في سلسلة تنتشر في الفضاء كموجة. ثم حسب سرعة هذه الموجة من ثوابت كهربائية بحتة، فخرج الرقم: نحو 300,000 كيلومتر في الثانية.
وهو سرعة الضوء المقيسة تماماً. فاستنتج ماكسويل استنتاجاً جريئاً: الضوء نفسه موجة كهرومغناطيسية. وإذا كان كذلك، فلا بد من وجود موجات أخرى بترددات مختلفة لا تراها العين. مات ماكسويل عام 1879 دون أن يرى واحدة منها.
بعد ثماني سنوات من وفاة ماكسويل، بنى الألماني هاينريش هيرتز (1857–1894) جهازاً بسيطاً: دائرة تُحدث شرارة كهربائية بين كرتين معدنيتين، وعلى بعد أمتار حلقة سلكية مفتوحة بفجوة صغيرة. وحين قفزت الشرارة الأولى، قفزت معها شرارة صغيرة في الحلقة البعيدة — دون أي سلك يربطهما.
كان ذلك أول إرسال واستقبال لاسلكي في التاريخ. وقاس هيرتز سرعة الموجات وأثبت أنها تنعكس وتنكسر وتستقطب تماماً كالضوء. نظرية ماكسويل صارت حقيقة مادية.
سُئل هيرتز عن فائدة اكتشافه فأجاب: «لا شيء على الإطلاق… هذه مجرد تجربة تُثبت أن الأستاذ ماكسويل كان على حق.» وحين ألحّ عليه السائل عمّا سيأتي بعدها قال: «أظن — لا شيء.»
— هاينريش هيرتز، عن الاكتشاف الذي بُنيت عليه كل الاتصالات الحديثة
مات هيرتز عن ستة وثلاثين عاماً فقط، ولم يعش ليرى أن «التجربة التي لا فائدة منها» ستصير أساس الإذاعة والتلفزيون والهاتف المحمول والإنترنت. وتكريماً له سُمّيت وحدة التردد العالمية «هرتز» (Hz) باسمه — فكلما قرأت «2.4 غيغاهرتز» على جهاز التوجيه في بيتك، فأنت تنطق اسم رجل ظنّ أن اكتشافه بلا قيمة.
قرأ الإيطالي غوليلمو ماركوني (1874–1937) عن تجارب هيرتز وهو في العشرين، وسأل السؤال الذي لم يسأله هيرتز: ولماذا لا نحمّل هذه الموجات رسالة؟
بدأ في عِلّية منزل والده عام 1895، ورفع الهوائي عالياً وأرضَ الطرف الآخر — فقفزت المسافة من أمتار إلى 2.4 كيلومتر. ثم انتقل إلى بريطانيا حيث وجد التمويل والدعم.
وفي ديسمبر 1901 جاء إنجازه الأكبر: أرسل الحرف S بشيفرة مورس (ثلاث نقرات) من بولدو في كورنوول بإنجلترا، فالتُقط في سانت جونز بنيوفاوندلاند في كندا — عبر المحيط الأطلسي على مسافة تقارب 3,400 كيلومتر.
وكان الخبراء قد أكّدوا استحالة ذلك، لأن الموجات تسير في خطوط مستقيمة والأرض كروية، فينبغي أن تنطلق الإشارة إلى الفضاء. لم يكن ماركوني ولا منتقدوه يعلمون أن هناك طبقة مشحونة في الغلاف الجوي تعكس الموجات إلى الأرض — وهي الأيونوسفير التي لم تُكتشف إلا بعد ذلك بعشرين سنة. نجح ماركوني بسبب ظاهرة كان يجهلها تماماً، ونال جائزة نوبل في الفيزياء عام 1909.
يرى كثير من المؤرخين أن نيكولا تيسلا (صربي–أمريكي، 1856–1943) سبق ماركوني إلى عدة مبادئ جوهرية. فقد قدّم عام 1893 عرضاً علنياً للإرسال اللاسلكي، وسجّل براءات في دوائر الرنين — وهي المبادئ التي تجعل الضبط على محطة بعينها ممكناً أصلاً.
وفي عام 1943 — بعد أشهر قليلة من وفاة تيسلا فقيراً — حكمت المحكمة العليا الأمريكية بإبطال بعض مطالبات براءة ماركوني الرئيسية، مقرّةً بأسبقية أعمال تيسلا وأوليفر لودج وجون ستون. لكن الحكم جاء متأخراً جداً، والتاريخ الشعبي كان قد حسم أمره.
وهناك اسم رابع نادراً ما يُذكر رغم أنك تسمع أثره كل يوم: إدوين آرمسترونغ (أمريكي، 1890–1954)، الذي اخترع عام 1933 تعديل التردد FM فحلّ مشكلة التشويش التي عجز الجميع عنها.
لكن اختراعه هدّد استثمارات شركات AM الضخمة، فخاض حروباً قانونية استنزفت ثروته وصحته لأكثر من عشرين سنة. وفي عام 1954، وقد أنهكته المعارك، أنهى حياته. وبعد وفاته كسبت أرملته القضايا واحدة تلو الأخرى. وكل مرة تستمع فيها إلى إذاعة FM صافية، فأنت تسمع إرث رجل لم يحصد من اختراعه إلا الخصومة.
يُقسَّم طيف الراديو الواسع إلى نطاقات، لكل نطاق شخصية مختلفة تماماً — في مدى وصوله، وفي قدرته على اختراق العوائق، وفي كمية البيانات التي يحملها:
| النطاق | التردد | طول الموجة | مدى التغطية | أبرز الاستخدامات |
|---|---|---|---|---|
| ELF / VLF فائقة الطول |
3 هرتز – 30 كيلوهرتز | 10 – 100,000 كم | كوكبية | الاتصال بالغواصات تحت الماء، رصد الزلازل والعواصف |
| LW موجات طويلة |
30 – 300 كيلوهرتز | 1 – 10 كم | آلاف الكيلومترات | الملاحة البحرية، البث الإذاعي في أوروبا |
| MW / AM موجات متوسطة |
300 كيلوهرتز – 3 ميغاهرتز | 100 م – 1 كم | مئات الكيلومترات | إذاعة AM — ومداها يتضاعف ليلاً |
| SW / HF موجات قصيرة |
3 – 30 ميغاهرتز | 10 – 100 م | عالمية | البث الدولي، هواة الراديو، الاتصال في الكوارث |
| VHF / FM عالية جداً |
30 – 300 ميغاهرتز | 1 – 10 م | 50 – 150 كم | إذاعة FM، التلفزيون الأرضي، الطيران، أجهزة الشرطة |
| UHF فائقة العلو |
300 ميغاهرتز – 3 غيغاهرتز | 10 سم – 1 م | محلية | الهاتف المحمول، الواي فاي، البلوتوث، GPS، التلفزيون الرقمي |
| SHF / EHF موجات دقيقة |
3 – 300 غيغاهرتز | 1 مم – 10 سم | خط رؤية مباشر | 5G، الأقمار الصناعية، الرادار، الواي فاي السريع |
كلما ارتفع التردد: زادت سرعة نقل البيانات، وقلّ مدى الوصول، وضعف
اختراق العوائق.
ولهذا تسمع إذاعة قصيرة من قارة أخرى بصوت رديء، بينما تحتاج شبكة 5G فائقة السرعة إلى برج
في كل حيّ. لا توجد موجة مثالية — بل مقايضة دائمة بين المدى والسعة.
الموجة الكهرومغناطيسية وحدها لا تحمل معلومة؛ فهي تذبذب رتيب متكرر لا معنى له. ولكي تحمل صوتاً يجب أن نُعدّلها — أي نغيّر إحدى خصائصها تبعاً للصوت. وهنا تنقسم الطرق إلى مدرستين:
يبقى التردد ثابتاً، ويتغيّر ارتفاع الموجة (سعتها) تبعاً لشدة الصوت. انظر إلى اللوح الأوسط في الرسم: الخط الذهبي المتقطّع الذي يرسم حدود الموجة هو الإشارة الصوتية نفسها — وهذا ما يستخرجه المذياع ويحوّله صوتاً.
وتعمل إذاعات AM عادةً في النطاق المتوسط بين 540 و1600 كيلوهرتز.
يبقى الارتفاع ثابتاً، ويتغيّر تزاحم الموجات (ترددها) تبعاً للصوت. ولاحظ في اللوح الأسفل من الرسم كيف تتقارب الموجات وتتباعد بينما يظل ارتفاعها واحداً لا يتبدّل.
وتعمل إذاعات FM في نطاق VHF بين 87.5 و108 ميغاهرتز.
لأن معظم التشويش في الطبيعة (البرق، محرك السيارة، خلاط المطبخ) يظهر على هيئة تغيّرات مفاجئة في الشدة — أي في السعة. وبما أن AM يحمل المعلومة في السعة نفسها، فإن التشويش يندمج بالصوت ولا سبيل لفصله. أما FM فيحمل المعلومة في التردد، فيستطيع المستقبل ببساطة أن يقصّ أي تغيّر في الارتفاع ويتجاهله — فيختفي التشويش دون أن تُمسّ الرسالة. هذه هي عبقرية آرمسترونغ في جملة واحدة.
| وجه المقارنة | AM | FM |
|---|---|---|
| ما الذي يتغيّر | السعة (الارتفاع) | التردد (التزاحم) |
| جودة الصوت | متوسطة | عالية، وتدعم الاستيريو |
| مقاومة التشويش | ضعيفة | ممتازة |
| مدى التغطية | مئات الكيلومترات | 50 – 80 كم |
| اختراق الجبال والمباني | جيد | ضعيف — يحتاج خط رؤية |
| تكلفة التجهيز | منخفضة وبسيطة | أعلى |
أعجب الأنواع وأكثرها إثارة. فهي تنعكس عن طبقة الأيونوسفير — وهي طبقة من الغلاف الجوي على ارتفاع 50 إلى 400 كيلومتر، تُؤيّن ذراتها بأشعة الشمس فتصير مرآةً للموجات القصيرة. وبانعكاسات متتالية بين الأيونوسفير وسطح الأرض تقطع الموجة آلاف الكيلومترات دون قمر صناعي ولا بنية تحتية على الإطلاق.
وهذا يفسّر ظاهرة لعلك لاحظتها: لماذا تلتقط الإذاعات البعيدة ليلاً أفضل بكثير؟ لأن الشمس تُبقي نهاراً طبقةً سفلى (طبقة D) تمتصّ الموجات وتُضعفها. وحين تغيب الشمس تختفي هذه الطبقة الماصّة، فترتفع الموجات إلى الطبقات العليا العاكسة وتنطلق إلى مسافات أبعد بكثير. الليل يفتح للموجات طريقاً يغلقه النهار.
وما زالت SW إلى اليوم شريان النجاة حين تنقطع كل الشبكات: في الكوارث الطبيعية والحروب، حين تسقط أبراج الاتصال وينقطع الإنترنت، يبقى هواة الراديو قادرين على الاتصال بالعالم بجهاز وهوائي سلكي — لأنهم لا يعتمدون على أي بنية تحتية يمكن أن تُدمَّر.
تزحف ملتصقة بسطح الأرض متتبّعةً انحناءها، وتستعملها LW وMW. تضعف تدريجياً لأن التربة تمتص طاقتها.
تصعد وتنعكس عن الأيونوسفير ثم تعود، وقد ترتد مرات متتالية. طريق SW إلى الطرف الآخر من الكوكب.
خط مستقيم بين هوائيين، وتستعمله VHF وUHF والموجات الدقيقة. محدود بالأفق، فيحتاج أبراجاً عالية أو أقماراً صناعية.
من الجيل الثاني إلى الخامس، تعتمد كل الشبكات على UHF والموجات الدقيقة. وشبكات 5G تستخدم في أعلى نطاقاتها موجات مليمترية بترددات 24–100 غيغاهرتز، فتبلغ سرعات تتجاوز 10 غيغابت في الثانية — لكن ثمن هذه السرعة أن مداها بضع مئات من الأمتار فقط، وتحجبها ورقة شجر أو زجاج نافذة. ولهذا تحتاج 5G إلى عدد هائل من الأبراج الصغيرة بدل الأبراج الضخمة القديمة.
يعملان في نطاق 2.4 غيغاهرتز و5 غيغاهرتز (وأضاف Wi-Fi 6E نطاق 6 غيغاهرتز). والبلوتوث يستعمل 2.4 غيغاهرتز بقدرة إرسال ضئيلة جداً، ولهذا ينحصر مداه في أمتار.
وهنا تفسير لمشكلة تصادفها في بيتك: لماذا يضعف الواي فاي حين يعمل الميكروويف؟ لأن الاثنين يعملان في النطاق نفسه تقريباً (2.4 غيغاهرتز)، وتسرّب ضئيل من الفرن يكفي ليغرق إشارة جهاز التوجيه الضعيفة في ضجيج.
يعمل على تردد 1.575 غيغاهرتز. يبثّ كل قمر صناعي إشارة تحمل توقيتاً بالغ الدقة من ساعة ذرية على متنه. ويقيس جهازك فرق الزمن بين إرسال الإشارة ووصولها، فيحسب بُعده عن كل قمر — وبتقاطع أربعة أقمار على الأقل يُحدَّد موقعك بدقة أمتار.
اختصار Radio Detection And Ranging. يرسل نبضة راديو، فترتدّ عن الجسم وتعود، ومن زمن الرحلة تُحسب المسافة، ومن تغيّر تردد الموجة العائدة (ظاهرة دوبلر) تُحسب السرعة. ويُستعمل في المطارات والسفن ورصد الأعاصير، وفي رادار الشرطة، وفي أنظمة منع الاصطدام في السيارات الحديثة.
يعمل على 2.45 غيغاهرتز، فيجعل جزيئات الماء — وهي ثنائية القطب — تتذبذب وتحتكّ ببعضها، فتتولّد الحرارة من داخل الطعام لا من سطحه كالفرن العادي.
يُقال كثيراً إن 2.45 غيغاهرتز هو «تردد رنين جزيء الماء» — وهذا غير صحيح. فامتصاص الماء للموجات واسع النطاق ولا ذروة حادة له هنا؛ بل إن امتصاصه عند ترددات أعلى أقوى. والسبب الحقيقي في اختيار هذا التردد سببان عمليان: أنه ضمن نطاق ISM المسموح دولياً للاستعمال الصناعي والطبي دون ترخيص، وأنه يوازن جيداً بين الامتصاص وعمق النفاذ — فلو استُعمل تردد شديد الامتصاص لاحترق سطح الطعام وبقي قلبه بارداً.
اكتُشف مبدأ الفرن الميكروويف بالصدفة عام 1945، حين وقف المهندس الأمريكي بيرسي سبنسر أمام جهاز ماغنترون رادار يعمل، فلاحظ أن قطعة الحلوى في جيبه ذابت. فجرّب وضع حبات ذرة أمام الجهاز فصارت فشاراً، ثم جرّب بيضة فانفجرت في وجه زميله. وأول فرن تجاري صُنع عام 1947 كان بارتفاع 1.8 متر ووزن 340 كيلوغراماً — ويحتاج تبريداً بالماء!
من أجمل تطبيقات الراديو وأكثرها إنقاذاً للأرواح. يُوضع المريض في مجال مغناطيسي قوي جداً فتصطف نوى الهيدروجين في جسمه (والجسم في معظمه ماء). ثم تُرسل نبضة راديو تُخرج النوى عن اصطفافها، وحين تعود إلى وضعها تُصدر إشارة راديو ضعيفة يلتقطها الجهاز فيرسم منها صورة دقيقة للأنسجة الرخوة.
وميزته الكبرى أنه لا يستخدم إشعاعاً مؤيِّناً إطلاقاً — لا أشعة سينية ولا نشاطاً إشعاعياً — فهو آمن للتكرار وللحوامل، على خلاف التصوير المقطعي CT.
ليست كل موجات الراديو من صنع الإنسان؛ فالكون نفسه يبثّ. والمجرات والنجوم النابضة وسحب الغاز تُصدر موجات راديو تلتقطها التلسكوبات الراديوية، فترى ما يعجز الضوء المرئي عن كشفه لأن الغبار الكوني يحجبه.
وأشهر ما التُقط هو إشعاع الخلفية الكونية الميكروي — الوهج المتبقي من الانفجار العظيم نفسه، اكتُشف مصادفةً عام 1965 حين ظن مكتشفاه أن الضجيج في هوائيهما سببه فضلات الحمام! وأكبر تلسكوب راديوي في العالم اليوم هو FAST الصيني بقطر 500 متر.
ابتدأت هذه القصة بمعادلات على ورق لم يصدّقها أحد، ومرّت بشرارة صغيرة ظنّ صاحبها أنها بلا فائدة، ثم بشابّ عنيد أرسل حرفاً واحداً عبر محيط. واليوم لا تكاد تمرّ لحظة من حياتك دون أن تمرّ عبرك آلاف الرسائل التي لا تراها.
وربما كان أعمق ما تعلّمنا إياه موجات الراديو ليس تقنياً بل إنسانياً: أن العالِم لا يملك أن يقدّر قيمة اكتشافه. فهيرتز قال «لا شيء»، وماكسويل مات قبل أن يرى موجةً واحدة، وتيسلا مات فقيراً قبل أن تُنصفه المحكمة، وآرمسترونغ قتله ما اخترع. ثم صار ما بحثوا فيه لمجرد حبّ المعرفة هو الجهاز الذي في جيبك الآن.
وهذا وحده سبب كافٍ لألّا نسأل عن البحث العلمي: وما فائدته؟