← كل المقالات 🏠 الرئيسية 🌐 English
الفيزياء النووية

ذيل التنين — قصة «اللب الشيطاني» الذي قتل عالِمَين

رسم تخيّلي للحظة انزلاق المفكّ وسقوط نصف الكرة البريليومية على لبّ البلوتونيوم أمام الحاضرين في المختبر
لحظة الحادثة الثانية — 21 مايو 1946: مفكٌّ انزلق، ونصف كرة بريليوم أطبق على اللبّ، ووميض أزرق ملأ الغرفة

في مختبر لوس ألاموس بولاية نيومكسيكو، كانت هناك كرة معدنية صغيرة لامعة، قطرها ٨٩ مليمتراً فقط — أصغر من كرة تنس بقليل — ووزنها ٦٫٢ كيلوغرام. كانت دافئة الملمس دائماً، تكفي حرارتها الذاتية لتشعر بها بيدك. صُنعت لتكون قلب قنبلة ذرية ثالثة تُلقى على اليابان، لكن الحرب انتهت قبل أن تُشحن.

فبقيت في المختبر مادةً للتجارب. وفي أقل من تسعة أشهر قتلت رجلين، بالطريقة نفسها تقريباً، في الغرفة نفسها، وفي اليوم الحادي والعشرين من الشهر في كلتا المرتين. ومن يومها صار اسمها بين العلماء: «اللب الشيطاني» (Demon Core).

أولاً: ما هو هذا «اللب» بالضبط؟

اللبّ (Pit) هو النواة الانشطارية للسلاح النووي. وهذا اللبّ تحديداً كرة من البلوتونيوم-239 مسبوكة على هيئة نصفَي كرة وحلقة تفصل بينهما، مطليّة بالنيكل لمنع التآكل، ومخلوطة بقليل من الغاليوم لتثبيتها في الطور «دلتا» الأسهل تشكيلاً.

أنتجه مشروع مانهاتن في صيف 1945 وسُمّي في وثائقه باسم «روفوس» (Rufus). وكانت الخطة أن يكون قلب القنبلة الثالثة، وقد أُبلغت القيادة العسكرية أنه سيكون جاهزاً للإلقاء على هدف ياباني نحو 19 أغسطس 1945. لكن اليابان أعلنت استسلامها في 15 أغسطس، فأُلغي الشحن وبقي اللبّ في لوس ألاموس تحت تصرّف قسم الأبحاث.

لماذا لم ينفجر إذن وهو في المختبر؟

لأن الانفجار النووي يحتاج إلى ضغط اللبّ بمتفجرات موجّهة حتى تزداد كثافته أضعافاً في جزء من مليون من الثانية. أما على طاولة المختبر فأقصى ما يمكن أن يحدث هو «نبضة حرجية»: انفجار في عدد الانشطارات لجزء من الثانية يُطلق سيلاً هائلاً من النيوترونات وأشعة غاما — بلا صوت ولا دمار، لكنه قاتل لمن يقف بجواره.

الفيزياء وراء القصة: ما معنى «الحرجية»؟

كل انشطار لنواة بلوتونيوم يُطلق في المتوسط نحو ثلاثة نيوترونات. مصير هذه النيوترونات هو الذي يحدد كل شيء، ونلخّصه في رقم واحد اسمه معامل التضاعف k: عدد الانشطارات في الجيل التالي مقسوماً على عددها في الجيل الحالي.

الحالةقيمة kماذا يحدث؟
دون الحرجيةk < 1التفاعل يخبو من تلقاء نفسه ويموت
حرِجk = 1التفاعل يستمر بمعدل ثابت — هذا هو وضع المفاعل النووي
فوق الحرِجk > 1التفاعل يتضاعف — تنمو الطاقة أسّياً
فوق الحرِج الآنيّk > 1 بالنيوترونات الفورية وحدهاالتضاعف يتم في أجزاء من مليون من الثانية — هذا ما حدث في الحادثتين

سرّ العاكس النيوتروني

اللبّ وحده على الطاولة كان دون الحرجية بأمان؛ فالنيوترونات المتولّدة فيه تهرب من سطحه إلى الهواء ولا تعود. لكن إن أحطتَه بمادة تعكس النيوترونات إلى الداخل — كـكربيد التنغستن أو البريليوم — فأنت لم تُضف ذرّة بلوتونيوم واحدة، ومع ذلك رفعت k، لأنك أعدت إليه نيوتروناته الهاربة.

وهذا بالضبط ما كان العلماء يقيسونه: كم عاكساً يلزم لبلوغ الحرجية؟ سؤال ضروري لتصميم الأسلحة والمفاعلات… لكن الإجابة عليه كانت تعني الاقتراب من الحافة خطوةً خطوة، ثم التوقف قبلها بشعرة.

من أين جاء اسم «دغدغة ذيل التنين»؟

العبارة تُنسب إلى الفيزيائي ريتشارد فاينمان، الذي وصف هذه التجارب اليدوية بأنها أشبه بـ«دغدغة ذيل تنين نائم»: تقترب من الوحش وتلمسه لمسة خفيفة لتقيس ردّ فعله، وأنت واثق أنك ستسحب يدك في الوقت المناسب. والمشكلة أن التنين لا يحتاج إلى أكثر من نصف ثانية ليستيقظ.

الحادثة الأولى: هاري داغليان — 21 أغسطس 1945

الضحية

هاري ك. داغليان الابن — فيزيائي أمريكي من أصل أرمني، عمره 24 عاماً، طالب دراسات عليا انتُدب إلى مشروع مانهاتن.

الزمان

ليلة الثلاثاء 21 أغسطس 1945، نحو الساعة 9:55 مساءً — أي بعد ستة أيام فقط من استسلام اليابان.

المكان

«موقع أوميغا» في وادي باخاريتو التابع لمختبر لوس ألاموس، نيومكسيكو.

عاد داغليان إلى المختبر ليلاً ليُكمل تجربة عاكس نيوتروني. كان يبني حول اللبّ جداراً من طوب كربيد التنغستن، طوبةً طوبة، ويراقب عدّاد النيوترونات بعد كل إضافة ليرى كم اقترب من الحرجية.

وقد خالف في تلك الليلة قاعدة صريحة: لا تُجرِ تجربة حرجية وحدك. لم يكن معه في القاعة إلا حارس أمن اسمه روبرت هيمرلي، يجلس على بعد نحو ثلاثة أمتار ولا علاقة له بالتجربة.

ما الذي حدث بالضبط

رفع داغليان الطوبة الأخيرة وأمسكها فوق مركز الكومة استعداداً لوضعها. وفي تلك اللحظة ارتفع العدّاد بحدّة، فأدرك أن هذه الطوبة تحديداً ستدفع النظام فوق الحرجية. وبينما كان يسحب يده أفلتت الطوبة من بين أصابعه وسقطت في قلب الكومة.

أطبق العاكس، وقفزت k فوق الواحد فوراً، فاندلع وميض أزرق ملأ ما حول الطاولة، وشعر داغليان بوخز في يده. لم يكن أمامه إلا خيار واحد: مدّ يده إلى داخل الكومة المتوهّجة وأزاح الطوبة، ثم اضطر إلى تفكيك جزء من الجدار بيديه لإيقاف التفاعل نهائياً.

استمرت النبضة أجزاءً من الثانية، وقُدِّر أنها أنتجت نحو 10¹⁶ انشطار. لم يُسمع صوت، ولم يتحطم شيء، ولم تسخن الغرفة. كل ما حدث أن رجلاً وقف في سيلٍ من النيوترونات لثوانٍ.

الجرعة والنهاية

قُدِّرت جرعة داغليان على كامل الجسم بنحو 5.1 سيفرت (510 rem) — أي فوق الجرعة المميتة النصفية (LD50) البالغة نحو 4.5 سيفرت. أما يداه، وقد كانتا الأقرب إلى اللبّ مباشرة، فتلقّتا جرعة موضعية أعلى من ذلك بأضعاف كثيرة.

بدأ الغثيان في الساعات الأولى، ثم تورّمت يده اليمنى وتقرّحت بحروق إشعاعية عميقة انتهت بالغرغرينا، ثم انهار تعداد كريات الدم البيضاء فسقطت مناعته كلياً، وأصيب بالحمّى ثم بالغيبوبة. توفي في 15 سبتمبر 1945 بعد 25 يوماً من المعاناة، بمتلازمة الإشعاع الحادة. كان عمره 24 عاماً.

أما الحارس هيمرلي فقد نجا بجرعة أصغر بكثير (تُقدَّر بنحو عُشر سيفرت)، لأنه كان بعيداً — وقانون تناقص الشدة مع مربع المسافة أنقذه. توفي بعد ثلاثة وثلاثين عاماً عام 1978 بابيضاض الدم النقوي الحادّ عن 62 عاماً، ولا يمكن الجزم بأن الحادثة سببه.

الحادثة الثانية: لويس سلوتين — 21 مايو 1946

مرّت تسعة أشهر. عرف الجميع في لوس ألاموس كيف مات داغليان. ومع ذلك استمرت التجارب اليدوية على اللبّ نفسه.

الضحية

لويس ألكسندر سلوتين — فيزيائي كندي من وينيبيغ، عمره 35 عاماً، حاصل على الدكتوراه من كينغز كوليدج لندن، وهو من قام بتجميع لبّ تجربة «ترينيتي» النووية الأولى.

الزمان

الثلاثاء 21 مايو 1946، نحو 3:20 عصراً.

المكان

القاعة نفسها تقريباً في موقع أوميغا — لوس ألاموس.

كان سلوتين على وشك مغادرة لوس ألاموس والعودة إلى جامعة شيكاغو، فجاء ليُسلّم مهامه إلى خلفه ألفين غريفز. وكانت آخر التجارب التي يجب أن يُتقنها غريفز هي «تجربة الغطاءين»: إحاطة اللبّ بنصفَي كرة من البريليوم — أقوى عاكس نيوتروني — مع الحفاظ على فجوة صغيرة بينهما، ثم تضييق الفجوة تدريجياً ومراقبة كيف يقترب النظام من الحرجية.

كان الإجراء المعتمد يفرض وضع حشوات (Shims) بين النصفين تجعل الإطباق الكامل مستحيلاً ميكانيكياً. لكن سلوتين — وقد أجرى التجربة عشرات المرات — كان قد استغنى عنها منذ زمن، واستبدل بها طريقةً أسرع وأخفّ: يُدخل نصل مفكّ بين الغطاءين ويُميله بيده اليسرى ليتحكم في اتساع الفجوة، بينما يمسك الغطاء العلوي بإبهامه من فتحة في أعلاه.

ما الذي حدث بالضبط

في تلك اللحظة كان في الغرفة ثمانية أشخاص بمن فيهم سلوتين. وبينما كان يُضيّق الفجوة، انزلق المفكّ من موضعه — فسقط الغطاء العلوي وأطبق على اللبّ إطباقاً كاملاً.

رأى الحاضرون وميضاً أزرق وشعروا بموجة حرارة على وجوههم. وذكر سلوتين أنه أحسّ فوراً بمذاق معدني حامض في فمه وحرقة شديدة في يده اليسرى.

وفي أقل من ثانية خطف الغطاء العلوي بيده وقذفه إلى الأرض، فتوقف التفاعل. قُدّرت النبضة بنحو 3×10¹⁵ انشطار. بهذه الحركة أنهى سلوتين الحادثة وأنقذ السبعة الآخرين من جرعات أكبر بكثير — ووقّع في الوقت نفسه حكم إعدامه، لأن يديه كانتا في قلب السيل النيوتروني.

لماذا نعرف جرعة كل واحد منهم؟

لأن سلوتين نفسه فعل شيئاً لافتاً بعد الحادثة مباشرة: أخرج الجميع من الغرفة، ثم رسم مخططاً يحدد فيه موقع كل شخص ووضعية جسمه لحظة الوميض. وبفضل هذا الرسم — ومعه قياسات على أشياء معدنية في الغرفة صارت مُنشَّطة إشعاعياً — تمكّن الأطباء والفيزيائيون من إعادة بناء جرعة كل فرد بحسب بُعده عن الطاولة.

مخطط مجسّم للقاعة يبيّن مواقع الحاضرين الثمانية ومسافة كل منهم عن طاولة التجربة
إعادة بناء مواقع الحاضرين — الجرعة تتناقص بسرعة مع المسافة، ولهذا نجا من كان في آخر الغرفة

جدول الجرعات والمصائر

الأرقام أدناه هي التقديرات المتداولة في تقارير لوس ألاموس، وتختلف قليلاً بين مصدر وآخر:

الاسمموقعهالجرعة التقديريةالمصير
لويس سلوتين يداه فوق اللبّ مباشرة ~10 غراي (≈2100 rem) توفي بعد 9 أيام — 30 مايو 1946
ألفين غريفز خلف كتف سلوتين مباشرة (~1 متر) ~1.7 غراي (≈360 rem) نجا — لكن بمرض إشعاعي حادّ ثم مشكلات عصبية وإعتام في العدسة؛ توفي بنوبة قلبية 1965
صامويل ألن كلاين على مسافة متوسطة ~1.3 غراي (≈250 rem) نجا وعاش عقوداً طويلة
ماريون تشيسليكي أبعد داخل القاعة ~0.3 غراي (≈62 rem) توفي عام 1965 بابيضاض الدم النقوي الحادّ
دوايت سميث يونغ أبعد داخل القاعة ~0.3 غراي (≈62 rem) توفي عام 1975 بفقر دم لا تنسّجي والتهاب رئوي
ريمر شرايبر قرب الباب ~0.04 غراي (≈9 rem) نجا وعاش حتى 1998 — وصار من كبار علماء لوس ألاموس
ثيودور بيرلمان بعيد ~0.03 غراي (≈7 rem) نجا
باتريك كليري (حارس) الأبعد ~0.02 غراي (≈4 rem) نجا من الحادثة — وقُتل لاحقاً في الحرب الكورية 1950

لاحظ الفارق الهائل: سلوتين وغريفز كانا يفصلهما أقلّ من متر، ومع ذلك تلقّى سلوتين نحو ستة أضعاف جرعة غريفز — لأن جسده نفسه كان درعاً بشرياً بينه وبين الآخرين، ولأن الشدة تتناقص مع مربع المسافة.

تسعة أيام

في الطريق إلى المستشفى قال سلوتين لزميله ما معناه: «أنت ستكون بخير… أما أنا فقد انتهيت». وكان يعرف تماماً ما ينتظره، لأنه عاش تفاصيل موت داغليان قبل تسعة أشهر.

نُقل جثمانه إلى مسقط رأسه وينيبيغ في كندا ودُفن هناك. وقد استُقبل في بلاده بوصفه بطلاً ضحّى بنفسه ليُنقذ سبعة.

هل تعلم؟ — الوميض الأزرق ليس ما تظنّ

يُقال كثيراً إن الوميض الأزرق في حوادث الحرجية هو إشعاع تشيرينكوف، وهذا غير دقيق في الهواء. فتشيرينكوف يحتاج وسطاً معامل انكساره كبير نسبياً — كالماء في أحواض المفاعلات، حيث يظهر التوهّج الأزرق الشهير. أما في الهواء فمعامل الانكسار يكاد يساوي واحداً، فالمساهمة ضئيلة جداً. الوميض الذي رآه الحاضرون سببه الأرجح تأيّن وإثارة جزيئات النيتروجين والأكسجين بالسيل الإشعاعي، فتُصدر ضوءاً أزرق-بنفسجياً وهي تعود إلى حالتها المستقرة — وهي الظاهرة نفسها التي تُضيء الشفق القطبي.

لماذا وقعت الحادثتان؟ تشريح الأسباب

من السهل أن نقول «استهتار»، لكن التحليل الحقيقي يكشف طبقات متراكمة من الخطأ:

1) ثقافة زمن الحرب

مشروع مانهاتن كان سباقاً محموماً مع الوقت، وقد ترسّخت فيه عادة تجاوز الإجراءات البطيئة لصالح السرعة. لكن الحرب انتهت — والعادة لم تنتهِ.

2) العمل باليد المجرّدة

لا حاجز ولا تدريع ولا مسافة. كان الجسد البشري على بُعد سنتيمترات من مادة انشطارية، والسلامة الوحيدة هي ثبات اليد.

3) إلغاء الحواجز الميكانيكية

الحشوات التي تمنع الإطباق الكامل كانت «حاجز أمان سلبياً» يعمل حتى لو أخطأ الإنسان. استبدالها بمفكّ حوّل الأمان كلّه إلى اعتماد على مهارة شخص واحد.

4) الثقة الناتجة عن التكرار

سلوتين أجرى التجربة عشرات المرات بنجاح. وهذا بالذات ما يُسمّى في هندسة السلامة «انحراف المعيار»: تكرار النجاح بأسلوب خطر يجعله يبدو آمناً.

5) خرق قاعدة الشخصين

داغليان عمل ليلاً وحده، فلم يكن هناك من يوقفه أو ينبّهه أو يتدخّل حين سقطت الطوبة.

6) عدم التعلّم من الحادثة الأولى

أخطر الأسباب جميعاً: بعد موت داغليان لم تتغيّر الإجراءات جذرياً، فتكرّر السيناريو نفسه على اللبّ نفسه بعد تسعة أشهر.

قيل إن إنريكو فيرمي حذّر سلوتين وزملاءه بعبارة صريحة: «إن واصلتم إجراء هذه التجربة بهذه الطريقة، فستكونون أمواتاً خلال سنة».
— ورواية هذا التحذير مشهورة في تاريخ لوس ألاموس

ماذا حدث للّبّ نفسه؟

كان مقرّراً أن يُستخدم اللبّ في تجارب «عملية كروسرودز» النووية في جزيرة بيكيني صيف 1946. لكن بعد الحادثة الثانية تغيّرت خواصه: تراكمت فيه نواتج انشطار مشعّة، واحتاج وقتاً ليخمد إشعاعياً، فحُذف من جدول التجارب.

وفي صيف 1946 أُعيد صهره وأُذيب في المخزون العام، ثم أُعيدت سبك مادته ضمن لُبّات أخرى. أي أن «اللب الشيطاني» — كجسم — لم يعد له وجود؛ ذابت ذرّاته في أسلحة أخرى، وبقي منه الاسم والدرس.

النتائج المترتبة — كيف غيّرت الحادثتان العالم النووي

1) نهاية التجارب الحرجية اليدوية

بعد موت سلوتين مباشرة، مُنعت في لوس ألاموس كل التجارب التي يقترب فيها إنسان بيده من تجميعة حرجية. كان هذا تحوّلاً جذرياً في فلسفة العمل: لم يعد السؤال «كيف نُدرّب الشخص ليكون حذراً؟» بل «كيف نُصمّم النظام بحيث لا يقتل أحداً حتى لو أخطأ الشخص؟»

2) الآلات المتحكَّم بها عن بُعد

نُقلت التجارب إلى أجهزة آلية في موقع باخاريتو — أشهرها «غوديفا» (Godiva) و«جيزابيل» (Jezebel) — تُدار من غرفة تحكّم على بُعد مئات الأمتار خلف تلال ترابية، بأذرع كهربائية وكاميرات تلفزيونية. الفكرة بسيطة وحاسمة: إن كان لا بدّ من إيقاظ التنين، فليكن ذلك ولا أحد في الغرفة.

3) ولادة علم «أمان الحرجية»

نشأ من هاتين الحادثتين تخصّص هندسي قائم بذاته اسمه Nuclear Criticality Safety، له قواعده الصارمة ومنها:

4) بيانات طبية دفع ثمنها بشر

وثّقت الحالتان — بتفصيل يومي دقيق — مسار متلازمة الإشعاع الحادة عند جرعات محددة معروفة المقدار، وهو ما يصعب الحصول عليه بأي وسيلة أخلاقية أخرى. وصار مخطط سلوتين لمواقع الحاضرين نموذجاً مرجعياً في إعادة بناء الجرعات بعد الحوادث الإشعاعية إلى اليوم.

بالأرقام

سُجّلت حول العالم منذ ذلك الحين أكثر من ستين حادثة حرجية في المنشآت النووية والمختبرات، راح ضحيتها نحو 21 شخصاً. والحادثتان اللتان في هذا المقال هما أول اثنتين في تلك القائمة — وأشهرهما على الإطلاق.

خاتمة

لم يكن «اللب الشيطاني» شيطانياً. كانت كرة معدن تخضع لقوانين الفيزياء بدقة تامة وبلا مزاج ولا نيّة: عاكس يقترب فترتفع k، وتَرتفع k فينفجر عدد الانشطارات. الكرة فعلت ما تفعله دائماً، في كل مرة، بلا استثناء واحد.

الشيطاني كان في الجانب الآخر من الطاولة: في الاعتقاد بأن المهارة تكفي بديلاً عن الإجراء، وأن ما نجح تسعاً وتسعين مرة سينجح في المئة، وأن ثبات اليد حاجز أمان.

مات رجلان شابان — أحدهما في 25 يوماً والآخر في تسعة — ليتعلم العالم قاعدةً تبدو بديهية اليوم: لا تضع جسدك في المكان الذي لا يغفر فيه الخطأ. وكل بروتوكول سلامة نووية يبدو لنا اليوم مبالغاً في تعقيده ورتابته، إنما كُتب في الأصل بثمنٍ باهظ، على طاولة في نيومكسيكو، بوميضٍ أزرق لم يدُم ثانية واحدة.